القرطبي
139
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
وقال ابن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة ، يقال له : جهينة ، تقول أهل الجنة : عند جهينة الخبر اليقين » « 1 » . ذكره الميانشي أبو حفص عمر بن عبد المجيد القرشي في كتاب « الاختيار » له في الملح من الأخبار والآثار . ورواه أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب ، من حديث عبد الملك بن الحكم قال : حدّثنا مالك بن أنس ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن آخر من يدخل الجنة رجل من جهينة ، فيقول أهل الجنة : عند جهينة الخبر اليقين سلوه ؛ هل بقي من الخلائق أحد » ؟ ورواه الدارقطني أيضا في كتاب « رواة مالك » ذكره السهيلي . وقد قيل : إن اسمه هناد ، واللّه أعلم . فصل قوله : « أتستهزئ مني » ؟ - وفي رواية : أتسخر ؟ - والهزء ، والسخرية بمعنى واحد ، وفيه تأويلان : أحدهما : أنه صدر منه هذا القول عند غلبة الفرح عليه واستخفافه إياه ، كما غلط الذي قال : « اللهم أنت عبدي وأنا ربك » . خرجه مسلم « 2 » . الثاني : أن يكون معناه : أتجازيني على ما كان مني في الدنيا من قلّة احتفالي بأعمالي ، وعدم مبالاتي بها ؟ فيكون هذا على وجه المقابلة ، كما قال اللّه تعالى مخبرا عن المنافقين : إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [ البقرة : 14 ، 15 ] أي : ينتقم منهم ويجازيهم على استهزائهم ، والاستهزاء في اللغة : الانتقام . قال الشاعر : قد استهزءوا منهم بألفي مدجّج * سراتهم وسط الصّحاصح جثّم ومثله : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [ آل عمران : 54 ] الآية . وهو كثير ، وسيأتي لبيان الاستهزاء من اللّه مزيد بيان « 3 » ، إن شاء اللّه تعالى والضحك من اللّه تعالى راجع إلى معنى الرضى عن العبد ، فاعلم ذلك .
--> ( 1 ) ذكره ابن عراق الكتاني في « تنزيه الشريعة » ( 2 / 391 ) وقال : « فيه عبد الملك بن الحكم ، وجامع بن سواده ؛ ضعيفان . وقال الدارقطني في « غرائب مالك » : باطل » . قال الحافظ ابن كثير في « الفتن والملاحم » ( 2 / 350 ) : « هذا الحديث لا تصح نسبته إلى الإمام مالك ، لجهالة رواته عنه ، ولو كان محفوظا عنه من حديثه لكان في كتبه المشهورة عنه ، كالموطإ وغيره مما رواه عنه الثقات . والعجيب أن أبا عبد اللّه القرطبي ذكره في « التذكرة » وجزم به فقال : قال ابن عمر : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : . . . » . ( 2 ) في « صحيحه » ( 2747 ) . ( 3 ) قارن ب « إعلام الموقعين » لابن القيم ( 3 / 217 ، 218 ) و « المفسرون بين الإثبات والتأويل » للشيخ محمد المغراوي ( 4 / 1583 - 1587 ) .